[box type=”note” ]أحمد ةحلمي يكتب : تمامًا كما في رائعة ميلوش فورمان الخالدة «One flew over the cuckoo’s nest» حين ظهر «جاك نيكلسون» من العدم لينير الدرب ثم يتلاشى محلقًا فوق ما خلفه. هذا تحديدًا ما حدث هنا، في رواية «فرج». «رضوي عاشور» المولودة في القاهرة عام 1946، قصاصة وروائية وناقدة أدبية، وأستاذة جامعية. تخرجت في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية بجامعة القاهرة، وعملت كأستاذة للأدب المقارن بجامعة عين شمس. أول أعمالها النقدية بعنوان «الطريق إلى الخيمة الأخرى» تناولت فيه إبداع غسان كنفاني الأدبي، وأشهر أعمالها الأدبية «ثلاثية غرناطة» و«الطنطورية».[/box]


[box type=”info” ]فرج: قطرة الزيت في الملعقة[/box]

[box type=”note” ]رواية «فرج» تقع في ستة وعشرين فصلا موزعين على مئتين وتسعة عشر صفحة فقط، وهو رقم ضئيل للغاية مقارنة بزخم الأحداث وطول الفترة الزمنية التي تمتد خلالها وقائع الرواية. رواية فرج هي أبسط ما قد تلقاه في حياتك بين دفتي كتاب، وإن كانت مثقلة بالمجاز بشكل انسيابي يصعب تكراره، «فرج» رواية عن قطرة الزيت التي تضعها في الملعقة وتحملها سائرا طوال حياتك محاولا الحفاظ عليها، بالإضافة للحفاظ على انتظام خطواتك وسلامة عقلك في آن واحد. فرج سيرة ذاتية لـ«ندى عبد القادر» المولودة لأب مصري وأم فرنسية في بداية العقد الخامس من القرن العشرين. ألقتها يد الله في تجربة المعتقلات منذ الصغر، تحكي تجربة اعتقال ثلاثة أجيال، والدها، ثم تعرضها هي شخصيًا للاعتقال، ثم مواجهة أحد أخويها الصغيرين لذلك. مع روايات معتقلين في سجون خارج وداخل مصر بالتوازي مع انتفاضة الطلاب في السبعينات، وروايات متقاطعة لمظاهرات الطلبة في فرنسا في ذات الوقت. لكنه تسطيح مخل بالسياق أن تصير «فرج» مجرد رواية أخرى تنتمي لأدب السجون حتى إن أرادت رضوى ذاتها أن تلمح لذلك أو تقره صراحة على لسان بطلتها، البطلة التي ضمنتها رضوى كثيرًا من ذاتها كما ضمنت الرواية كثيرًا مما عاصرته من أحداث وشخوص حتى يختلط عليك الأمر وتحتار حقا؛ أين الرواية والخيال وأين التاريخ والواقع، هل هذه محاولة تأريخ بالرواية أم هي محاولة رواية بالتاريخ. والحقيقة أن هذه رواية عن جوهر الحياة ذاتها، ربما حاولت رضوى، من خلال سرد موسيقي عذب، أن تضع معادلة متزنة كي تصبح الحياة في هذا الركن التعس من العالم شيئا قابلا للتعاطي.[/box]


[box type=”info” ]الصغار يصابون بالحمى[/box]

[box type=”note” ]بعد سطور قليلة تدرك حقيقة الأمر، رضوى تحكي من اليوم الأول لميلاد وعي بطلتها. قد تراودك أفكار كالبحث عن زر التخطي، لكنك تورطت من السطر الأول للأسف. مهلا، هلا قرأت مرة أخرى من البداية:

– ماما، هل سنحضر طعاما للحيوانات؟

– أية حيوانات؟

– التي ستصحبنا في الطريق.

– لن يتوقف القطار. –

من الممكن أن يتوقف قليلا لأحضر باقة من زهور الحقل لأبي. – لن يقبل السائق. – سيقبل. سأطلب منه بأدب وأبتسم فيري أني طفلة جميلة مهذبة ترتدي فستانا أحمر فيقبل، ثم في محطة الوصول أقدمها لأبي ويتعرف علي ويقول أنني كبرت ويقول له المدير أن زوجتك وابنتك لطيفتان جدا يمكنك أن تعود معهما. هذا لم يكن استهلالا طويلا فارغا، هذا هو العنوان الأبرز للرواية. ربما لو لم يكن اسمها «فرج» لكان «الصغار يصابون بالحمى». الصغار دوما يصابون بالحمى، الفصل الأول يحمل مبكرًا جدا تحطم الأحلام البكر عند ملامستها لأرض الواقع مجرد ملامسة، كأنها حفنة من ثلج طلعت عليها شمس أيلول. ستعرف عندما تعيد قراءة الواقع بعد الرواية أن كل أحلام الصغار تصاب بحمى الإحباط، وهو مرض قاتل على أي حال. هل هذه بداية جيدة؟ أنت لم تر شيئا بعد. ينتهي الفصل الأول بأفضل نتيجة مرجوة لاستمالة القارئ وإشراكه وتوريطه في تفاصيل واقع الرواية وتقريب ملامحهما بنعومة بالغة، بداية من هذه اللحظة سيتم سرد الحكاية من الداخل، من داخلك أنت.[/box]


سيكولوجية السجن

[box type=”note” ]كان على أمي أن تجلس بجواري في السرير لتشرح، حكت لي عن رجل كبير متعلم يفهم أشياء كثيرة، يقول لابد للأمور أن تسير بهذه الطريقة لا بتلك. هذا صواب وهذا خطأ. وضباط لهم رأي آخر اختلفوا معه فوضعوه في السجن. – ماما، وما هو السجن؟ حسنا، ما هو السجن إذًا يا رضوى؟ هذا ما احتارت في تعريفه حقا مع توالي سنوات حياتها التي ضمنتها بنعومة داخل الرواية. حين حاولت رضوى أن تحكي كل شيء كما أدركه عقلها في حينه انتهت بها التجربة لسطر واحد؛ السجن هو مساحة ضيقة بداخل كل فرد منا بناها بنفسه وجعل لها سقفًا منخفضًا ومنع من جدرانها النوافذ ثم جلس داخله بمحض إرادته ثم بدأ في الصراخ. في منتصف الرواية، وبينما رضوى منشغلة بوصف أوضاع السجون قامت بنقلنا لدراسة نفسية لـ «ميشيل فوكو» تحمل ذات المعنى عن طريقة لتحكم السلطة الحاكمة في نفسيات شعوبها بحيث تظل لها اليد العليا أو أنها تغلغلت فيهم فصارت تحركهم كعرائس الماريونيت، إذ لا حاجة لنقل كل الشعب لداخل سور ضخم إن كان بإمكانك أن تضع السور بداخلهم. السلطة هناك تراقبك في كل مكان وفي كل وقت، السيد «أورويل» يعود بزي عصري ليحكم مجددا. بعد سنوات الاعتقال، حين خرج والدها وجلس أمام التلفاز يبكي بينما عبد الناصر يتلو خطاب التنحي، صاحت أمها بجنون: «أنا لا أفهمك، أليس هذا هو نفسه الضابط الفاشي الذي…»، قال لها: «أنت عمياء» ولم يزد. لم تكن هذه الجملة لأمها أبدًا، كانت لنا جميعا.[/box]


[box type=”info” ]الحلم المجهض[/box]

[box type=”note” ]رواية «فرج» لا تقرأ أبدًا في جلسة واحدة رغم صغر حجمها، أنت بحاجة لراحة بين كل فصل وتاليه، لتهضم كل هذه الشحنات النفسية التي انتقلت إليك، ليست الشحنات النفسية فحسب بل كذلك السنوات التي أضيفت لعمرك بينما تعدو -أنت والسنوات- كالريح بين السطور. كل هؤلاء الأبطال الذين يبزغون فجأة من العدم، تتعثر فيهم بينما تسير برفقتها ينتابك شعور غريب أن هناك لهم ظل على أرض الواقع، تبحث عن فرج بين حين وآخر، تغلق الرواية، تتأمل الغلاف، فتاة صغيرة تلبس فستانا أحمر تتباهى به على خلفية خضراء، ثم هناك طائر أبيض يضرب قضبانا حديدية بجناحيه، هل لهذا أي معنى، تفتحها مجددا لتكمل. يشغل أروى بين محاولتين للانتحار البحث عن إجابة لتساؤل مضنٍ حول صورتنا الحقيقية، مجموعة الشباب تلك التي خرجت ذات صباح مستجيبة لنداء التاريخ محاولة عدل ميزانه في مواجهة قوى احتكرت لعقود طويلة كل السلطة والقول والفعل والحلم كذلك، فماذا حدث لينتهي بهم الحلم المجهض إلى جيل من المبتسرين يعيشون اليأس والعجز والترهل والعدمية والتحرر من كل خلق، ماذا حدث بين لحظة الخروج النبيل، ولحظة الخروج أخيرا من الحلم للواقع حيث تهاوى كل شيء بالجملة كأننا مجموعة من المومياوات خرجت للشمس فتهاوت ترابا. لا يحتاج منك الأمر كثيرًا لتدرك أن هذه «أروى صالح» وأن العبارات القوية التي تصف انتفاضتهم وتصف فشلها كذلك جاءت رأسا من كتابها «المبتسرون»، وأننا -حتى يومنا هذا- في محاولاتنا للبحث عن صورتنا الحقيقية نفنى أو نُفني ذاتنا أو تقتلنا الحسرة فنكف عن البحث.[/box]


[box type=”info” ]سهام[/box]

[box type=”note” ]لكنها في أحد الأيام هكذا تموت من صاعقة بيضاء جميعهم في الخلف وهي وحدها في المقدمة ماتت ولم تشهد الصفاء في الأجواء ولم تر الربيع خلفها ولم تشهده في المقدمة. من قصيدة «المهرة البيضاء» لـ«بول فور» تقول رضوى على لسان بطلتها في نهاية فصل تحكي فيه عن أروى: «ربما نحكي عن شيء مؤلم لنداري شيئًا آخر أشد إيلاما»، وكأن هناك ما هو أشد إيلاما من إلقاء جيل لأحلامه من الطابق الثاني عشر. وفي قصيدة «أنا روحت القلعة» يقول «أحمد فؤاد نجم»: «وقابلت سهام في كلام إنسان .. منقوش ومأثر في الجدران .. عن مصر وعن عمال حلوان .. مظاليم العهد المعتقلين .. عيطي يا بهية على القوانين» سهام من قصيدة نجم هي «سهام صبري» زهرة الحركة الطلابية في السبعينات كما لقبها زملاءها، هي ذاتها سهام من رواية فرج، الشيء الأشد إيلاما الذي حاولت رضوى أن تداريه بكلامها عن مأساة أروى، أن سهام هي أحد السيناريوهات المفتوحة لمتلازمة «الصغار يصابون بحمى الإحباط»، يعتزلون الحياة تمامًا حتى يقتلهم القهر، ثم يكتب في خانة سبب الوفاة «لم يستدل على روح له». حسنًا، لا تجربوا هذا في المنزل، الإدمان على الحلم يقتل بشكل أشد إيلامًا مما تحسبون.[/box]


[box type=”info” ]مقال في أهمية الزراعة[/box]

[box type=”note” ]ربما كان هذا هو بيت القصيدة، في قلب الرواية هناك مقال تحكي فيه رضوى عن حرفة البستاني التي تصير أجدى وأنفع في سنوات القحط. أيهما أجدى، الموت كمدًا أم الانهماك في زراعة شتلة منزلية، أو ربما حبات من الفول على قطنة مبللة تستقر على حافة نافذة المطبخ. تقاطعني مرآتي القاسية: هل كنت تفكرين بالأجدى أم في الإفلات والتحصن؟ تجيبها مرآتي الطيبة: طوبى لمن بقى على سلامة عقله وروحه في زمن الريح الصفراء وانتشار والطاعون. ربما كان هذا هو السيناريو الأجدى يا سيدتي، لماذا لم تقولي ذلك من البداية؟ رضوى التي عاصرت كل شيء واختلطت تجربتها السياسية بعملها الأكاديمي، ثم تداخل بأدبها، وضعت خلاصة كل ذلك في «فرج». تقول أنه عليك أن تدرك في الوقت المناسب أن الموج صار أعتى من أن تجابهه مهاراتك الأوليمبية في السباحة، عليك أن تجرب لعبة أخرى كالتجديف مثلا. الآن أنت في الفصل الذي يحمل رقمًا ما أمام العشرين، كل شيء يفر، لم تعد هناك انتفاضة ولا ثورة ولا سادات ولا حروب ولا زملاء ولا معتقلات ولا أي شيء، البطلة العادية تمامًا التي رأت كل شيء وانتهى بها القطار لمحطته قبل الأخيرة. ربما نسيت البحث عن «فرج» الآن، وعن دلالة الاسم واعتبرته مجرد مجاز، كل ما يشغلك الآن كيف سينتهي المطاف بك، لقد تورطت حتى أذنيك وصرت قلقا بصدد خطوتك القادمة، حتى قررت رضوى ألا تنهي أي شيء وتلقي لك المجاز ذاته من نافذة قطارها الذي لن تعرف أين صارت وجهته الأخيرة. القطار لم يكن مجازا هذه المرة. تجلس البطلة في مقعدها تقرأ كتابًا عن أدب السجون يحكي فيه النزلاء عن شيء ما يتعلق برؤيتهم عن الحرية، شيء ما يشبه ما رواه «عبد الرحمن الأبنودي» يومًا ما عن تسلقه للغبار الذي أثارته شمس الصباح حين دخلت من نافذة الزنزانة. «أحدهم طار فوق كل المضنيات»، هذا ما حدث حرفيًا هنا. أن تنبت للحرية جناحين لتحلق بهما فوق كل ما تبقى من قهر على الأرض، لن تفكر وقتها في معنى السجن ولا في دلالة الجدران ولا في تعسف القوانين. «ليست الحرية سوى مرادفًا لحقيقة أن الإنسان لم يعد لديه ما يخسره».[/box]

Leave a Reply

Your email address will not be published.