لم يكن عمر سليمان يثق كثيرا في التعامل مع أمريكا بأفق مفتوح، وكان يردد دائما أن إسرائيل تتعامل مع أمريكا بشكل مختلف عما يراه العالم وكان محقا في ذلك، فإسرائيل كانت تحتفظ وما تزال بعلاقات استخباراتية قوية مع أمريكا لكنها لا تجد غضاضة في التحوط منها بل ممارسة أعمال الجاسوسية والجاسوسية المضادة أيضا في الأراضي الأمريكية.

نفس الأمر كان متبعا داخل جهاز المخابرات المصرية، لكنه وبعد عام 2009 أصبح أكثر حدة للدرجة التي دفعت أجهزة الأمن الأمريكية لإعادة بعض المبعوثين الدراسيين إلى مصر، كما دفعتهم لتشديد الرقابة على مراسلات السفارة المصرية ولقاءات الدبلوماسيين المصريين هناك.أما ما أثمر عنه تكثيف العمل على الأراضي التركية فكان مفاجأة حتى لعمر سليمان نفسه..

فخلال عام 2010 وتحديدا في شهر فبراير، رصدت عناصر المراقبة المصرية لقاءات مستمرة على مدار ثلاثة أيام في أحد البيوت الآمنة بأنقرة لعناصر من الاستخبارات الأمريكية وثلاثة قيادات من الإخوان المسلمين، وصلوا قبل بداية اللقاءات بيوم واحد.وكان اللقاء الأول مغلقا حيث ضم فقط القيادات الإخوانية الثلاثة وعنصرين من الاستخبارات الأمريكية، التحق بهم في المساء ضابط مخابرات تركي وامتد اللقاء إلى الساعات الأولى من صباح اليوم التالي.في اليوم التالي تم عقد اجتماع آخر انضم له قائد هيئة الاستخبارات والأمن القطري الذي غادر إلى الدوحة في نهاية اليوم، مصطحبا معه واحدا من عناصر الاستخبارات الأمريكية. في اليوم الثالث تم عقد اجتماع آخر ضم كافة الأطراف السابقة بما فيها قائد هيئة الاستخبارات والأمن القطري وضابط المخابرات الأمريكي الذي غادر معه الليلة الماضية.وفي المساء غادرت القيادات الإخوانية إلى الدوحة لتعود بعد ذلك بيومين إلى أنقرة لتقفز الاحتمالات إلى أقصاها بعد أن التقى أحد مساعدي الرئيس التركي بالقيادات الإخوانية الثلاثة قبل أن يغادروا متجهين إلى القاهرة مرورا بالدوحة.في اليوم التالي كان لابد أن تصل الأجهزة المصرية لفحوى تلك اللقاءات المحمومة.. وبالفعل فإن عناصر المخابرات المصرية توصلت لما حدث أثناء تلك الاجتماعات المحمومة ليتضح بشكل ملخص أن العناصر الإخوانية توجهت لأنقرة قادمة من الدوحة والتي دخلوها تحت ستار العمل ضمن فريق طبي خاص ينشط في مجال الدعم الطبي داخل قطاع غزة تحت لافتة إسلامية، وهناك تم منحهم جوازات سفر قطرية استخدموها في مغادرة الدوحة والدخول إلى تركيا، حيث تمت اللقاءات المذكورة. وفي النهاية عادوا إلى الدوحة ليستخدموا جوازات سفرهم المصرية أثناء رحلة العودة إلى مصر.

ودون الخوض في تفاصيل كيف توصلت الأجهزة المصرية لما حدث، فإن اللقاء الأول بين القيادات الإخوانية وبين ضباط المخابرات الأمريكية جرى خلاله مناقشة سيناريو ما بعد مبارك.. وكان هناك إلحاح على أن يقدم الإخوان معلومات عن العناصر التابعة لهم داخل الجيش ضمن خلاياهم النائمة.. وقد أصرت القيادات الإخوانية على أن الأمر لا يمكن فضحه حتى للأصدقاء في واشنطن لكنهم اكتفوا بالتأكيد على أن خلاياهم داخل الجيش فاعلة وقادرة على إحداث الفارق عند الضرورة.ضباط الاستخبارات الأمريكية كان لهم تقدير مختلف للأمر؛ حيث تداولوا في المساء حول كون الإخوان يقدرون قوة عناصرهم بأكثر من الحقيقة سواء عن جهل أو عن رغبة في طرح أنفسهم كبديل آمن لنظام مبارك يملك القدرة حتى على التدخل كأحد الفاعلين سياسيا في الدولة المصرية وهو الجيش.

أما عن انضمام ضابط المخابرات التركي فقد كان الأمر ضمن شكل روتيني للأداء تتخذه خلية الشرق الأوسط في الاستخبارات التركية التي نشطت خلال العامين السابقين في العمل وفقا لتصور جديد لشكل الشرق الأوسط وكان دوره أشبه ما يكون بضابط الاتصال بالقيادة السياسية التركية.أما عن الرحلة المفاجئة للقيادات الإخوانية بصحبة ضابط المخابرات الأمريكي إلى الدوحة، فكانت قد جاءت بعد وصول الأمر لمرحلة حاسمة حول شكل التحرك خلال الفترة القادمة وأشكال الدعم والتمويل وإمكانية قيام قطر بتقديم ملاذ آمن لعناصر إخوانية في حالة فشل الأمر، حيث عبر أحد القيادات الإخوانية عن عدم رغبة الإخوان في تكرار معاناتهم في عهد جمال عبد الناصر.في النهاية كان من المنطقي أن ينضم قائد هيئة الاستخبارات والأمن القطري قادما من الدوحة لينهي الأمر وفقا لصلاحياته، وحيث أيضا تم اعتماد المبالغ المخصصة لتمويل شكل الحراك خلال الفترة القادمة..

وقد ساهمت قطر – وفقا لتلك المعلومات- بثلاثة مليارات دولار نقدا، جرى تحريكها خارج نطاق الجهاز المصرفي.هنا كانت الأمور قد أصبحت قابلة للطرح على الرئيس المصري وهو ما قام به فعليا عمر سليمان، الذي عرض الأمر على مبارك الذي نظر للأمر بأكمله بطريقة مغايرة تماما لعمر سليمان، حيث أكد مبارك على أن قطر – على حد تعبير الرئيس مبارك -: قطر متعرفش تعمل شغل في مصر.عمر سليمان كان يرى مخرجين للأمر فإما أن يدخل الإخوان لساحة الصراع السياسي ووضعهم تحت المجهر، ثم تفجير القضية برمتها.. وإما أن يقوم عمر سليمان بتقديم ما تجمع لديه من أدلة لسلطات التحقيق التي أصر على ألا تكون عسكرية (لم يكن عمر سليمان من المؤيدين للمحاكم العسكرية فيما يخص الإخوان) وكان يرى أن المحاكم العادية بإجراءاتها التي تستمر وقتا طويلا ستكون أكثر مناسبة للحدث، ووضع الإخوان تحت المجهر أمام الشعب المصري.لكن مبارك رفض لسبب غريب حين قال ما فحواه: إن عمر سليمان يريد من مصر أن تعترف بأنها انتهكت سيادة ثلاث دول صديقة أمريكا وقطر وتركيا، وأنها مارست أعمالا مخابراتية على أراضي تلك الدول، مبارك كان يرى أن ذلك التحرك سيدفع بالأمريكان إلى حافة الجنون، وأنهم قد يفعلون أي شيء في تلك الحالة دون أن يوضح ما هو هذا الشيء.وطلب مبارك من عمر سليمان أن يطلعه على كل ما يصل إليه بشأن هذا الأمر مستقبلا، وبالرغم من أن أيدي عمر سليمان بقيت مقيدة، إلا أن عمر سليمان قام بدون إذن رئاسي بمتابعة العمل على الأمر، ليدخل الأمر في حالة أشبه بحالات المطاردة الدولية عبر أوروبا؛ حيث انتقل الأمر في منتصف عام 2010 إلى بريطانيا ومنها إلى باقي الدول الأوروبية؛ حيث التقى ممثلون للإخوان المسلمين بممثلين لإسرائيل ضمن ثمانية اجتماعات طويلة خلال النصف الباقي من العام في الدول الآتية وفقا للترتيب الآتي: بريطانيا ثم بلجيكا ثم فرنسا ثم هولندا ثم إيطاليا ثم سويسرا ثم ألمانيا ثم أستراليا.أما أكثر ما أثار مخاوف عمر سليمان، فهو أن جهاز الموساد الإسرائيلي أصبح مع نهاية العام مهتما بشكل خاص بحادث مقتل خالد سعيد، وقرر رصد الظاهرة رصدا مخابراتيا عبر عناصره الدبلوماسية داخل مصر؛ ليحدد ويقدم تقارير حول تنامي القدرة لدى قطاعات الطبقة المتوسطة من المصريين على إسقاط النظام وفقا لتحرك نوعي جديد.وأصبح واضحا لعمر سليمان أن الموساد كان يرصد الأمر بدقة أكثر من اللازم قبل أن تصل معلومات لعمر سليمان أن الموساد الإسرائيلي قد قدم تقريرا لرئاسة الوزراء الإسرائيلية يحذر فيه من عقد أي اتفاقات تجارية خلال الفترة القادمة مع مبارك، وأن يأخذوا بعين الاعتبار أن نظام مبارك سيسقط قبل نهاية 2011 بشكل مؤكد.وكان اللافت للنظر أن تقرير الموساد الإسرائيلي كان مخالفا بشدة لمخاوف الأمريكان الذين كانوا يتحدثون حتى تلك اللحظة عن مخاوفهم من نجاح مبارك في الإفلات عبر بعض الترضيات التي يمكن أن يقدمها مبارك لشعبه.. ومن ضمن تلك الترضيات طرح اسم أحمد عز وحبيب العادلي كأكباش فداء يمكن أن يتم التضحية بهما، وهذا كان هو التصور الأمريكي.بينما كان الموساد الإسرائيلي مصرا على أن مبارك ليس بهذا القدر من الذكاء، وقد قام عنصر من عناصر الموساد الإسرائيلي بشرح كل ما جاء في التقرير شفاهة لرئاسة الوزراء، مؤكدا أن التفكير في إمكانية تعويل مبارك على الطبقة غير النشطة من المصريين وهي الغالبية الساحقة من الشعب المصري والتي تخشى من كل شيء وتفضل بقاء الحال على ما هو عليه لن يكون ذا فائدة، فالعجلة قد تحركت وأكد أن تأكيدات من داخل الإخوان أكدت ما وصلوا إليه بعد اتصالات مكثفة خلال الأيام السابقة، على التقرير مع الحاخام مارك شناير.. أما من هو مارك شناير فلذلك حديث آخر.

Leave a Reply

Your email address will not be published.