نحاس راضي

العصافير تكره الدّم.. تخشىَ صوتَ الرصاص.. لذلك، لم يكن غريبا أن تهجرَ العصافيرُ أعشاشا جاهدَت في بنائها فوق أشجار شارع الخليفة المأمون بالقاهرة، الذي هزّته فجيعةُ اغتيال “طفلة” قتلها الإرهاب.

ـــ 1 ـــ

أمس.. الأحد 5 ديسمبر.. لم يشتَر المواطن المصري محمد عبد الحليم جمعة “تورتة”.. لم يذهب لشراء قطع الحلوىَ والجاتوه، ولا هو أحضرَ لدىَ عودته إلى بيته صندوقا من زجاجات المشروبات الغازية التي تفضّلُها صديقاتُ ابنته في شارع ديمتري جرجس بعين شمس.. لم تضَعْ زوجتُهُ أوراقا وبالونات ملوّنة اعتادها البيتُ كلما جاء الخامسُ من ديسمبر في كل عام، ولم تدخل مطبخَ البيت لتصنعَ أصنافا من الحلوىَ تحبّها ابنتها وصديقاتُها.
بالأمس، لم تذهبْ بنات صغيرات بهدايا وبطاقات تهنئة كتَبْنَ فيها عبارات بريئة عن الحب والصداقة والأمل، والمستقبل الذي يتمنّينه مشرقا لصديقتهن.. ولم تطفئ البنات الصغيرات اثنتي عشرة شمعة في عيد ميلاد “الشيماء”. لم يُغَنّين في مرح أغنية يحفظها المصريون، كبارا وصغارا عن ميلاد “أبو الفَصاد”.
بالأمس، لم تضحك الشيماء، لم تلبس فستانها الجديد، ولم تضع في شعرها شريطا ملوّنا.. لاهي لعبَت مع صديقاتها، ولا هي تسلَّمَت هداياهن.. ولم يزُرْها في سريرها طائرُ الأحلام، مداعبا جفونَها بعد ليلة سعيدة.
بالأمس، بات أهل بيتها في العتمة.. في عيونهم دموع، في حلوقهم مرارة، وفي قلوبهم ألم.. فالبيت قد سكنه الحزن!

ـــ 2 ـــ

ظهيرة الخميس 25 نوفمبر 1993.. حطّ طائرُ الموت فوق مدرسة المقريزي التجريبية المشتركة، بشارع المأمون.. اختطف الشيماء محمد عبد الحليم جمعة تلميذة فصل المتفوقين (1/3) أولىَ ثالث بالمرحلة الإعدادية، بعد أن أصاب عشرين مصريا، بينهم أربع تلميذات وتلميذ، وأحرقَ سبعَ سيارات، وأحدث انفجارا مروّعا، في منطقة منشية البكري بحي مصر الجديدة.

ـــ 3 ـــ

في تلك الليلة، لم تنَم إيمان، ذاتُ السبع سنوات.. سمعت كلمات كثيرة لم تفهمها عن الإرهاب والمجرمين الذين قتلوا شقيقتَها.. إيمان لا تعرف ما الإرهاب، ولا تدرك شيئا عن الإجرام والمجرمين.. تعرف إيمان أن شقيقتَها الشيماء تحبها، هي تصحو كلّ صباح على صوتها، تأخذ بيدها في طريقهما إلى المدرسة، وعندما يدقُّ الجرسُ معلنا انتهاءَ الحصّة الأخيرة، تجد الشيماءَ واقفة في انتظارها، لتأخذَ بيدها في طريقهما إلى البيت.. إيمان تبحث الآن عن شقيقتها.. تتساءَلُ ــ في حيرة ــ عن سر اختفائها المفاجئ، ولا تجد إجابة.. إيمان تجد كرّاسات رسمت على صفحاتها ــ هي وشقيقتُها ــ عصافير، وزهورا، وأشجارا، عروسة “مولد النّبي” وحصانا، شوارع تمتلئ بمصريين يتحركون في كل اتجاه سعيا وراء الرزق، جنديا ينظم المرور، ومقاتلا في حرب لم تعيشاها قالت معلمة الرسم إنها حرب أكتوبر.. رسومات كثيرة و”شخبطات” وجدتها إيمان، لكنها تبحث عن الشيماء، فلا تجدها، هل يستطيعُ أحدُكُم أن يردّ على سؤالها؟!

ـــ 4 ـــ

يسافرُ الأطفالُ إلى الموت مبكّرين.. يسافرون إليه على جناح غراب أسود يُمطرُهُم بالقنابل والشظايا وطلقات الرصاص.. “نعش” الشيماء” ــ بعد صلاة الجمعة ــ محمولا فوق أكتاف آلاف المصريين، إدانة لأعداء العقل والنور والحرية، و… الأطفال!

ـــ 5 ـــ

الدرس انتهىَ لِمّوا الكراريس
بالدم اللي على ورقهم سال..
إنهم يضعون أنفسَهم ــ بأنفسِهِم ــ في “خانة” الأعداء، يقتلون المتعَبين بحثا عن لقمة عيش، ويقتلون الزهور.. كم مرّةً ضرب الإسرائيليون مدرسة في “بحر البقر”؟ هم يقتلون طفلا كلّ يوم!

ـــ 6 ـــ

وبلدنا ضحكة وبوسة،
وعروسة يوم الخميس،
لكن خميس زي دول،
ما ضحكش حدّ لعريس..
ما ضحكش غير الرصاص، و”الدّم” والمتاريس

Leave a Reply

Your email address will not be published.