كأنّه ومضة برق، لمعَت في سماء محبّيه، ومضَت!
وكما كان إيقاعُه في حياته، مضى بالإيقاع نفسه في لحظة الموتِ. سريعا مضى، سريعا عَدى، سريعا ركضَ، سريعا قفزَ إلى خط النهاية، متعجّلا ربّما إليها هي التي سبقته، وربّما متعجّلا إلى مشاهدَ جديدة يسجّلها لنا من حياته هناك.. هكذا غادرَنا سمير الحسن الذي لم يتخلّف عن عادته، ولم يَخُنْ طبيعتَه، فكانت أمينة معه لم تُراوغْه، ولم تَخُنْه.
لم أرهْ إلاّ متعجّلا، متسرّعا.. ما يكادُ يظهرُ في حياتي، حتى يختفي، يسلّمُني شيئا، وبعد لحظات، وربّما ثوانٍ، يسـتأذنُ لينصرف، متوهّما أنه سيعطّلني، إن بقيَ معي، فإن لم يجدْني ـــ أو وجَدَني مشغولا ـــ ترَكَ لي ما يريد، مع كلمات رقيقة، يكتبها، تمرُّ على القلب، كما تمرُّ على الناس سحابة ممطرة بالخير.. ذلكم هو، سمير الحَسَن.. وكان سريعا في حركته، في مَشيِه، وفي خطوته، ظهوره الذي كان مفاجئا على غير موعد، وانصرافه من دون استئذان، سريعا، سريعا كان.. حتى في عملِهِ كان يجري، سريعا كأنّه يتعجّلُ شيئا، أو يجري وراء شيء، يسابقُ شخصا، كلمة، خبرا، قصيدة، فكرة، أو صورة، أو كأنّه على موعدٍ لا نعرفُهُ، ولعله كان هو ــ وحدَه ــ يعرفه.
هو إيقاعه في الحياة وفي الموت إذن. لم يخطئْـه يوما، لم يتخلّفْ عنه، وهو لم يخلفه، ولم يخرجْ عنه، كأنه هو الإيقاع، الرجلُ وإيقاعُهُ، أو كأنهما الرجل وظِلّه.
عَبَرَ سمير الحسن، كما تَعبرُ حياتَكَ نسمةُ صيف في يوم حار، لا تكادُ تأنَسُ إليها، حتى تغادرَكَ، لا تأبَه لكَ مهما استبقيتَها، فتتركَك في لهيب الصيف، وحيدة شريدة، وشاردة، لا تلوي على شيء.
كأنه هيَ، تلك النسمة الباردة في نار “فُرْن بلدي”، في يوم من يوليو، لا تكادُ تستروح بَردها، وتطمئنّ بها، حتى تفارقَك. كذلكَ هو، مرّ في حياتنا، مثلا شرودا، ونموذجا فريدا، لا شبيه له في أي شيء.. سمير الحسَن.
كان يجري، ويعدو، ولم أرَهْ إلا مُسْرعا، فهو دائما “على موعد”، حتى لو لم يكن على موعد. “ريحُه خفيف” لا يحب أن يُثقلَ على أحد، حتى الذين أحبّوه، وأحبّوا لقاءه، وأحبّوا أحاديثَه، فأحبّوا أن يستبقوه ليسمعوا منه، ويستمعوا له، ويستأنسوا به، عشقا لما يرسمه في حكاياته ــ وعلى لسانه، مرتجلا في الحوار ــ من صور وأشعار.
وكان خجولا، كأنه فتاة تتعثّرُ في خطواتها من فرط حيائها، لكن في رجولة يفقدها الكثير من الرجال، مهذّب، لا يعرفُ العيبُ طريقا إلى لسانه العفيف، لا ينطقُ بسوء أبدا.. ولا يغتابُ الناسَ، مهما كانت بينه وبينهم خلافات.
ـــ شاعر الكاميرا ـــ
أتذكّرُ دخوله مكتب رئيس تحرير “القناة”، يدقُّ الباب في خجل، وعلى استحياء، بينما هو يُطُلُّ من وراء الباب، فيظهر رأسُهُ شيئا فشيئا، مع إحساسه بأن الجالسَ هناك يسمح له، أو يرحّب به.
أول ما لفتني إلى سمير الحسن حِسّهُ الفني، وعيناه القارئتان للوجود والناس والأحياء، صُوَرُه التي التقطها بعيني شاعر، وبأذني موسيقيّ، ووجدان فنّان.. أبهرتني بما وراءَها من إنسانية تحاول أن تستنطقَ حتى الأشياء، كاشفة عما فيها من مخبوء الأسرار، إحساس راق وعالٍ بالجمال، كانت تعكسُه صورُهُ ولقطاتُه وزواياها، فتكشفَ عن قلب يريد أن يلمسَ عمقَ الوجود، فلا تملكُ إلاّ أن تندهشَ أمام صورة تكادُ مكوّناتُها تبوح، بل وتنطق بما يحاولُ أن يستجليَه منها شاعرٌ يريد أن “يؤَنسِنَ” كلَّ ما حوله من عناصر الوجود.
ـــ جملة مفقودة ـــ
غالبا ما كنتُ أطاردُهُ، حتى يحاولَ أن يعطيَ من وقته أكثر مما تسمحُ به ظروفُه، لكنّه هو الطائر الحر، المتعجّلُ، خفيفُ الحركة، سريع الإيقاع، كان يجدُ نفسَه خارج القيود، متحرّرا من أي حسابات.
كنت أرى فيه مكسبا، وعنصرَ نجاح لأي “صحيفة”، فضلا عن صحيفة “إقليمية”، كما كنتُ أراه إضافة تستطيع به أي صحيفة أن “تبيع”. وقدّم سمير الحسَن لـ “القناة”، في رأس صفحتها “الأخيرة”، أكثر أبوابها تميزا، وأكثرها جمالا: “عين الكاميرا”، صورة أو صورتين أسبوعيا، وفقرة قصيرة تحت الصورة أو الصورتين “كابشن”، معلّقا بها، وشارحا، وكاشفا عن مشاعره، موضّحا ما يعين القارئ على “قراءة” صوره التي التقطتها عيناه من “الشارع”، في حصاد من صيده وجولاته، باحثا عما يجد فيه “قارئُهُ” متعة فنية، وقيمة فكرية، ومعنى إنسانيا.
لم تكن عين الكاميرا، فالحقيقة أنها كانت عينَه، هي التي تسعى إلى اصطياد اللا معقول، والعجيب، وغير المألوف من حركة الناس والأشياء، كما كانت تجري وراء متاعب المهمّشين والضعفاء و”الغلابة” والمحرومين، مسجّلا انسحاقَهم أمام ماكينة متوحّشة ـــ من المجتمع والسلطة والدولة التي تخلّت ـــ فتكاد “تهرسهُم”!
ولم يكن سمير الحسن صحفيا يجري وراء خبر، أو تحقيق، أو حوار، أو فكرة، أو صورة فحسب، بل كان “مؤسّسة” وحدَه، يسعى إلى قضاء حاجات الناس، ويشركني معه في حل مشكلات الكثيرين الذين كان يأتي بهم، باحثا لهم عن “فاعل خير” من المحسنين، يساعد أو يعين.
وعمل سمير الحسن الكثيرَ في مساعدة هؤلاء الذين فقدوه، وكانوا من أكثر الناس حاجة إليه، الفقراء والمحرومين، وكان يساعدُ باللجوء إلى القادرين والأثرياء، جمعا لتبرع مالي أو عيني، بقلب رقيق يشعر بآلام الناس وأوجاعهم، ويتمنى ــ حقيقة ــ لو أنه أعطاهم قلبَه يتدفؤون به!
ـــ رجل الموقف ـــ
كان منه ومنها الموقف “الشهادة”، و”الرأي”!
عندما تركتُ “القناة” ــ مُرغما “على ما تمنّيت”، وتلك “قصة” أخرى ــ احتَجّ سميرُ محمد الحسن، وزوجتُهُ يسرا حسن، بموقف ظلّ “كاشفا” و”فارقا”.
قالا إنهما لن يتعاونا مع “القادمين، القدماء/الجدد”، وإنهما يتركان العملَ في صحيفتِهما، مع ابتعادي عنها، احتجاجا على موقف، وتأييدا لموقف.
القصة طويلة، وربما يكون لها مكان آخر، لكنّ سمير ويسرا رفضا، بإصرار، أن يتخليا عن موقفهما، على الرغم من إلحاحي عليهما، وقد شرحت لهما، أن الموقف الإيجابي يكون بالبقاء والوجود من أجل “القيم” التي يعملان من أجلها، في خدمة الناس، وفي خدمة بلدهما.. كانا يعرفان ذلك، ويدركانه جيدا، لكنّهما قالا لي: إن الإنسان موقف.
لفترة طويلة، كنت ألحُّ على سمير ويسرا أن يتراجعا، وأن يعودا إلى عملهما، عارفا بفضل ما عناهُ لي ــــ و”لآخرين” كثر ــــ موقفُهُما، ولم يكن من أجل “شخص” بقدر ما كان تسجيلا لـ “قيمة”.
مرّت أيام وشهور، كانت الصحيفة تطلبهما، ولم يوافقا إلاّ عندما جاءا لزيارتي “استئذانا” بالعودة، وكان مطلبي الدائم، بإصرار، وبإلحاح.
ـــ اللقاء الأخير ـــ
30 نوفمبر 2008، كنت أجمع أشياءَها من الغرفة، استعدادا للانتقال من المستشفى العام في الإسماعيلية، إلى مستشفى هيئة قناة السويس، “رفيقة عمري”، بعد رحلة طويلة مع المرض، قبل أن نبدأ معها شوطا جديدا من الألم الذي كانت تعانيه.
وكنت أضعُ أشياءَها في حقيبة صغيرة، عندما أطل بوجهه الأسمر، وبملامحه الخجولة، من وراء باب الغرفة الذي تركتُه موارَبا، وكان يدقُّ الباب برقّة، بينما لمعَت عينُه تصافحني.
دقّ قلبي مُرَحّبا، لما رأيتُهُ، بينما كان لا يزالُ يضعُ قدَما في الحجرة، ويؤخر قدما، حياءً وخجلا، ممسكا بباقة “ورد”، تحيّة للمريضة التي أحبَّتهُ وأحبَّت زوجتَه.
ــ ألف سلامة، يا مدام زينب.
ردّت بصوت خافت، يشي بوهن وضعف:
ــ الله يسلّمك..
وسألت، بالنبرة نفسها، مندهشة:
ــ ورد.. كتّر خيرَك.
سمير الحسن “صاحب واجب”، رفيق، ودود، مُحِبٌّ، وهو أكثرُ الناس “فهما للأصول”، وأكثرهم مجاملة للناس، ولو كانت جيوبه “خاوية”، كان مستعدا دائما أن يضع كلّ ما معه من مال لكي يرسمَ ابتسامة على وجه صديق أو صديقة، وليسعدَ إنسانا، حتى لو لم يكن يعرفه، أي إنسان!
جلس على حافة السرير المواجه لسريرها، وكنت أبيت فيه، أو أحد أبنائي، وعندما رأى أنني لمحتُ دمعة تفر من إحدى عينيه، أشاح بوجهه، ناظرا إلى سقف الحجرة، محاولا أن يخفي ما أرغمته على عينيه “عِشرةُ السنين”!
قال لها: شدّي حيلك، وإن شاء الله تقومي لنا بالسلامة.
نهض يريدُ أن ينصرف، فحاولت أن أستبقيَه، لكنه استأذَن بلغته المهذّبة المعهودة:
ــ أنا حبّيت أطمئن، واشوفكم، قبل ما تسيبوا المستشفى.
صافحَها، وخرجتُ معه، دموعه تخونه، أو يكاد يبكي، ثم التفت إليّ قائلا:
ــ يعني مفيش حل آخر؟!
قلت: غرغرينا في الساق كلها، ولابد أن نلحقَها بـ “البَتر”، قبل أن يتَسمّمَ الجسدُ كلُّه!
ــ ربّنا معاكم، يا “ريّس”.
وانصرفَ سميرُ الحسنُ، أو اختفىَ، محاولا أن يُخفي دمعتين في عينيه، ومشفقا أن يراني ضعيفا أبكي أمامه، وكان “لقاءَنا الأخير”، لم تقطعْه إلاّ وعودي، ووعوده، هاتفيا، على أمل بلقاء سيظلّ مؤجلا، إلى حين!

About The Author

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.